سيرة أمهات المؤمنين رضي الله عنهن

  • أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي وفي رواية لكل مسلم رواه أحمد عن أبي أمامة الباهلي والحكيم وأبو نعيم
  • {اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} (255) سورة البقرة
  • أربع خصال واحدة فيما بيني وبينك وواحدة فيما بينك وبين عبادي وواحدة لي وواحدة لك فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا وأما التي لك فما عملت من خير جزيتك به وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة وأما التي بينك وبين عبادي ترضى لهم ما ترضى لنفسك رواه أبو نعيم عن أنس
  • يا ........ زائر .........................هلا تقرا الحديث بتمعن.......................... إﻧﻤﺎ أﺗﻘﺒﻞ اﻟﺼﻼة ﻣﻤﻦ ﺗﻮاﺿﻊ ﺑﮭﺎ ﻟﻌﻈﻤﺘﻲ وﻟﻢ ﯾﺴﺘﻄﻞ ﻋﻠﻰ ﺧﻠﻘﻲ وﻟﻢ ﯾﺒﺖ ﻣﺼﺮا ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺼﯿﺘﻲ وﻗﻄﻊ ﻧﮭﺎره ﻓﻲ ذﻛﺮي ورﺣ ﻢ اﻟﻤﺴﻜﯿﻦ واﺑﻦ اﻟﺴﺒﯿﻞ واﻷرﻣﻠﺔ ورﺣﻢ اﻟﻤﺼﺎب ذﻟﻚ ﻧﻮره ﻛﻨﻮر اﻟﺸﻤﺲ أﻛﻠﺆه ﺑﻌﺰﺗﻲ وأﺳﺘﺤﻔﻈﮫ ﺑﻤﻼﺋﻜﺘﻲ أﺟﻌﻞ ﻟﮫ ﻓﻲ اﻟﻈﻠﻤﺔ ﻧﻮرا وﻓﻲ اﻟﺠﮭﺎﻟﺔ ﺣﻠﻤﺎ وﻣﺜﻠﮫ ﻓﻲ ﺧﻠﻘﻲ ﻛﻤﺜﻞ اﻟﻔﺮدوس ﻓﻲ اﻟﺠﻨﺔ رواه اﻟﺒﺰار ﻋﻦ اﺑﻦ ﻋﺒﺎس
  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (7)
  • قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)
  • سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت : 53]
  • أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر و لا فاجر من شر ما خلق، و برأ و ذرأ، و من شر ما ينزل من السماء و ما يعرج فيها و من شر ما ذرأ في الأرض و من شر ما يخرج منها، و من شر فتن الليل و النهار و من شر كل طارق، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان". رواه أحمد.
  • وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ (98) سورة المؤمنون
  • عن أبي سعيد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتخرج الماشية وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أوثمانيا، -يعني حججاً-. رواه الحاكم
  • عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة. رواه أبو داود وابن ماجه
  • في رواية لأبي داود: لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا .
  • قال ﷺ : " اللهم فاطرَ السموات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، ربَّ كلِّ شيء ومليكَه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شرِّ نفْسي، وشرِّ الشيطان، وشِرْكَْه ، وأن أقترف على نفسي سوءًا، أو أجرّه إلى مسلم "
  • من شغله قراءة القرآن عن دعائي ومسألتي أعطيته ثواب الشاكرين رواه ابن حذيفة عن شاهين عن أبي سعيد الخدري
  • وعزتي وجلالي ورحمتي لا أدع في النار أحدا قال لا إله إلا الله رواه تمام عن أنس بن مالك
  • اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، أرحم الراحمين ، أنت أرحم الراحمين ، إلى من تكلني ، إلى عدو يتجهمني ، أو إلى قريب ملكته أمري ، إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي ، غير أن عافيتك أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن تنزل بي غضبك ، أو تحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك ) رواه الطبراني
  • اللهم اني مغلوب فانتصر
  • وانذر عشيرتك الأقربين ----------- اللهم فاشهد انني بلغت وحذرت
  • اعوذ بالله من الشيطان الرجيم
  • يا ........ زائر .........................هلا تقرا الدعاء ... اللهم انك اقدرت بعض خلقك على السحر والشر ولكنك احتفظت لذاتك باذن الضر اللهم اعوذ بما احتفظت به مما اقدرت عليه شرار خلقك بحق قولك وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
  • اللهم انت خلقتني وانت تهديني وانت تطعمني وانت تسقيني وانت تميتني وانت تحييني ***** لا اله الا الله******
  • إلهي عبد من عبادك ، غريب في بلادك ، لو علمت أن عذابي يزيد في ملكك ، وعفوك عني ينقص من ملكك لما سألتك المغفرة ، وليس لي ملجأ ولا رجاء إلا أنت ، وقد سمعت فيما أنزلت أنك قلت : إني أنا الغفور الرحيم ، فلا تخيب رجائي.
  • يا ........ زائر .........................هلا تقرا القران.......................... ﷽ قل هو ﷲ أحد۝ﷲ الصمد۝لم يلد ولم يولد۝ولم يكن له كفوا أحد.................. ............................. ﷽ قل هو ﷲ أحد۝ﷲ الصمد۝لم يلد ولم يولد۝ولم يكن له كفوا أحد .............................. ﷽ قل هو ﷲ أحد۝ﷲ الصمد۝لم يلد ولم يولد۝ولم يكن له كفوا أحد

مستبشرة

مشرفة
طاقم الإدارة
الاشراف
عضوية ماسية
عضو
إنضم
22 يونيو 2013
المشاركات
9,537
مستوى التفاعل
22,736
النقاط
122
الإقامة
ارض الله
الموقع الالكتروني
www.almobshrat.net
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سيرة السيدة خديجة رضي الله عنها

1- نسبها ونشأتها رضي الله عنها :

ولدت السيدة خديجة رضي الله عنها لأبوين قرشيين , فأبوها خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب , وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم " وهو جندب " بن رواحة بن حجر بن معيص بن عامر بن لؤي , وبذلك فهي تلتقي بالرسول  بالجد الرابع لها قصي بن كلاب الجد الخامس له , وتلتقي به في الجد الثامن لها من ناحية أمها لؤي بن غالب .
وكان أبويها من أعرق بيوت قريش نسباً , وأعلاهم حسباً , فقد نبتت في بيت واسع الثراء , ملتزم بالأخلاق الفاضلة , ومعروف بالتدين , والبعد عن الانغماس في الملاهي , التي كانت بعض بيوتات قريش غارقة فيها .
ولم تذكر المصادر كثيراً عن طفولة السيدة خديجة غير أنها درجت في سنوات طفولتها الأولى في بيت كبير , فيه الغنى والنعيم , وكل وسائل العيش الرغيد , معروف بإطعام الطعام , ومساعدة الفقير والمحتاج .
وفي ظل هذه العائلة الكريمة عاشت السيدة خديجة رضي الله عنها حياة أبناء العوائل الشريفة الكبيرة منعمة مترفة , مع ما لأبيها من مكانة في قريش كونه أحد زعمائها ورجالها البارزين , ومما لا يقبل الشك أن قوة شخصيتها ومكانتها جاءت نتيجة لتأثير هذه العائلة فيها , فضلاً عن مميزاتها الذاتية .
وكان تأثير هذه الأسرة كبيراً على شخصيتها رضي الله عنها حيث كانت نشأتها الأولى في أسرتها مميزة جداً فقد أطلق عليها لقب " الطاهرة " قبل أن تتزوج بالرسول  . ويتضح من هذا اللقب أنها نالت مكانة كبيرة في مجتمع مكة حتى استحقته فلقبت به دون باقي نساء قريش .
وليس من المستبعد أن يكون هذا اللقب قد أطلق عليها نتيجة لظروف أسرتها , حيث قتل اثنان من أخوتها في حرب الفجار , وربما قتل أبوها أيضاً فيها أو بعدها بقليل .
كذلك فإن أخاها عدياً ربما توفي في فترة مبكرة , لذلك لم يبقى لها سوى أخوها نوفل بن خويلد مما جعلها تتحمل مسؤولية نفسها , لأن علاقتها به كانت بعيدة وهذا ما نراه بوضوح في عدائه للإسلام وعدم مساعدته لأخته في المقاطعة التي فرضت على بني هاشم , وعدم ورود أي رواية تدل على علاقته بها مما اضطرها إلى أن تعتمد على نفسها في إدارة شؤونها , وإدارة أموالها التي ربما ورثتها عن عائلتها وأزواجها , ويتضح ذلك في مباشرتها للعمل التجاري الأمر الذي يؤكد استقلاليتها بنفسها وعدم وجود أشخاص يقومون به نيابة عنها .
وقد اكتسبت السيدة خديجة رضي الله عنها لقب الطاهرة عن جدارة واستحقاق , فلقد تزوجت في الجاهلية مرتين قبل اقترانها بسيد البشر محمد بن عبد الله  , ومات زوجها الثاني وهي في مقتبل العمر والشباب , وكانت ترفل في ثوب العز والرفاهية , وسادت وساد قومها , وكثر مالها , ونزلت إلى مجال العمل والتجارة , وكثر الطلاب والراغبون فيها وكان لها مما احترفته مالا يمنعها أن تتصل بالرجال , وأن تقحم نفسها معهم في أمور التجارة ولكن ذلك لم يحصل , فلم تضع عينها على سيد من سادة قريش , ولم تشترك معهم في أمور تتصل بالتجارة , ولم تتخذ من التجارة ذريعة للاتصال بهم , ولتقوية الروابط بينها وبين الرجال من مكة أو غير مكة , لكنها رضي الله عنها اتخذت لها طريقاً جاداً بعيداً عن طريق الأهواء والرغبات , فلقد كانت تجارتها كثيرة ومتنوعة , ولم تتصل بتجار قومها , وكانوا كلهم تجاراً , ولم تشترك معهم في اجتماع خاص أو عام , ولم تسر في ركابهم , وإنما كان يقوم بأمور التجارة عبيدها , وعلى رأسهم مولاها المخلص ميسرة .
وكانت بيوت مكة كثيرا ما يقام فيها ليالي مرح ولهو وغناء , وكان القائمون عليها إما إخوة أو أولاد عمومة أو خؤولة , وكان بيت عبد العزى بن عبد المطلب المعروف في الإسلام بأبي لهب معروفاً بهذه الأمور ,
وكان قريباً من بيت خديجة رضي الله عنها , وكانت تمر أحياناً , وفيه من اللهو والسهر , وكان اللائي يحضرنه نساء الحي مشاركة لأم جميل زوجة أبي لهب , فلم يأتِ أبداً في بال السيدة خديجة رضي الله عنها العفيفة الطاهرة أن تلهو مع قريناتها من القرشيات .
ولقد عرف عنها ذلك نساء مكة , والمقربات إليها فكن يذهبن بأنفسهن إليها في بيتها ولها في نفوسهن منزلة عظيمة فينلن من كرمها وفضلها الشيء الكثير , فإذا ما خرجت إلى البيت العتيق لتطوف به , خرجن معها , وقد أحطن بها , فلا تلغو واحدة منهن في قولها , ولا تتكلم إلا بالجد من الكلام , ولا يحببن أن يسمعن من أحد لفظة نابية , قد تجرح سمع السيدة خديجة رضي الله عنها , ولقد ثارت النسوة وغضبن حينما طلع عليهن يهودي وهن عند البيت العتيق وناداهن قائلاً : " يا نساء قريش , سيظهر نبي في هذا الزمن , فمن أرادت أن تكون له فراشاً فلتفعل " , ثار النسوة اللاتي يحطن بالسيدة خديجة رضي الله عنها , وقذفنه بالحجارة فعلن ذلك من أجل السيدة خديجة .
وقد لقبت رضي الله عنها أيضا بسيدة نساء قريش , ولا تٌلقب بهذا اللقب إلا من حازت صفة الكمال – ولله المثل الأعلى - وأجمع الناس على ما امتازت به خلْقَاً و خٌلٌقاً , ولم تحد قيد أنملة عن الصفات التي أجمع عليها المجتمع , وصار ظاهرها كباطنها , فليس فيها خليقة تخفيها عن الناس , وليس لها مأرب خاص , فلم تستبعدها التجارة , ولم يستهوها المال فيتحكم في خصالها الحميدة , ويجعلها أحياناً تخضع لتحقيق رغبة , أو لتجني ثمرة , وإنما هي التي تٌخضِعٌ كل هذا لعاطفة سامية , ذلك لأن نفسها كانت مشغولة عن الناس , وعن التحدث في أمورهم , بالبحث والسؤال عما وراء هذه الحياة , كانت تسأل عن الرسل الذين أرسلوا , وعن الرسول الذي سيرسله الله لهداية الناس , وعن وجود الإله العظيم , المستحق للعبادة دون سواه عز وجل , والذي ينبغي السجود والخضوع له , يساعدها في هذا التفكير نفسها الصافية , وذكاؤها المتوقد , فقد روي أنها رضي الله عنها كانت دائمة الحديث مع ابن عمها ورقة بن نوفل عن الرسول الذي سيرسله الله لهداية الخلق , وهل قرب زمنه ؟ وهل ستراه ؟ لقد أبعدها كل هذا عن اللغو والفضول من سير الناس , وارتفع بها إلى مقام محمود .
وكان لمكة البيئة التي نشأت فيها السيدة خديجة رضي الله عنها تأثير كبير في نشأتها , حيث يجتمع في مكة التجارة من الشمال إلى الجنوب , وهي مرسى لقوافل التجارة هذه , فيجتمع الناس من رجال ونساء مع احتفاظ المرأة المكية بكبريائها وعزتها وكرامتها , واحترام كل الواردين إلى مكة لشخصيتها كل ذلك ساعد على توسيع مدارك السيدة خديجة رضي الله عنها , وقوى فهمها للأمور , وزاد علمها ومعرفتها , فأصبحت في مجتمعها محترمة الرأي , معززة الجانب , فأدلت بدلوها في الحياة العامة , وكان في مقدمتها حرفة الناس في ذلك الوقت وهي التجارة .
فلا عجب أن نرى السيدة خديجة رضي الله عنها مثلاً أعلى لهذه البيئة في كل ما عملت , وكل ما أقدمت عليه , وكانت سيرتها الحسنة مثلاً يضرب به .
ولقد أجمع المؤرخون على القول بأن السيدة خديجة رضي الله عنها ورثت عن أبويها جمال الخلْق والخٌلق , وساعدت البيئة على إبراز شخصيتها التي تجبر كل من رآها على الاحترام , والإكبار , والتقدير .
ولقد قابلت السيدة خديجة رضي الله عنها صدمات الحياة في أولى خطواتها على درجات الحياة , إذ قد مات زوجها الأول ولم تتعد السابعة عشرة , ثم فقدت زوجها الثاني حين جاوزت العشرين بقليل , وقد كان لها من الأولاد فتقبلت ذلك كله بقلب كبير , وصبر أكيد , وجلد لا يعرف اليأس , وهذا ما هو معروف عن أهل البيئة الصحراوية .
لقد انصرفت رضي الله عنها لتربية أولادها , والإشراف على تأديبهم وتعليمهم , ورأت أنها استفادت من تجاربها , وأنها في إمكانها تنمية الأموال الكثيرة التي بين يديها , فأدلت بدلوها في التجارة حرفة قومها .
ولقد أثرت الحياة الروحية التي عرفت بها مكة المكرمة تأثيراً عظيماً في حياة السيدة خديجة رضي الله عنها , ففي مكة البيت العتيق , وهو المتجه الروحي للناس , فإليه يحجون , ومن بعيد البلاد يسافرون إلى هذه البقعة الطاهرة ,
فلقد اتجهت إلى هذا البيت العتيق بعقلها وقلبها وكل عواطفها , فهو مقدس عندها , وله رب واحد تتجه إليه بالدعاء والشكر لأنه مصدر الخير , وهو الذي يعطي ويمنع , وما كانت تفعله فمن أجله سبحانه وتعالى .
ولقد استمالها ما عليه جماعة الحنفاء من البحث في الديانة الصحيحة السابقة لذلك فقد داومت على الاستماع إلى ابن عمها ورقة بن نوفل , فكان له دور كبير في حياتها الروحية التي وجهتها وجهة خاصة , وكان لها أكبر الأثر في حياتها التي استقبلتها , وظهر أثرها فيما أقبلت عليه من حياة فكلل عملها بالنجاح الباهر , وكان للبيئة التأثير العظيم .

* * *
منقول
يتبع
 

مستبشرة

مشرفة
طاقم الإدارة
الاشراف
عضوية ماسية
عضو
إنضم
22 يونيو 2013
المشاركات
9,537
مستوى التفاعل
22,736
النقاط
122
الإقامة
ارض الله
الموقع الالكتروني
www.almobshrat.net
2- زواجها من أبو هالة التميمي :
ذكرت الروايات أنها تزوجت رجلين قبل النبي  , زوجها الأول من قبيلة تميم العربية والآخر مخزومي قرشي , لكن الروايات اختلفت اختلافاً كبيراً في اسميهما , وأيهما تزوجها أولاً , وعدد أولادها منهم , وأسمائهم .
فقال ابن شهاب :
تزوجت خديجة رضي الله عنها قبل النبي  رجلين , الأول " عتيق بن عائذ ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم " فولدت له " حارثة " ثم خلف عليها بعده " أبو هالة التميمي " وهو " بني أسيد بن عمير " فولدت له رجلاً .
وقال ابن " إسحاق " :
تزوجت وهي بكر " عتيق بن عائذ ثم هلك عنها فتزوجها " أبو هالة مالك بن النباش بن زرارة أحد بني عمر بن تميم حليف بني عبد الدار , فولدت له رجلا وامرأة , ثم هلك عنها فتزوجها رسول الله  .
وأبو هالة التميمي هذا زوج السيدة خديجة رضي الله عنها ينتسب إلى قبيلة تميم العربية , وذكر هشام بن محمد الكلبي نسبه بالشكل الآتي " أبو هالة هند بن النباش بن زرارة بن وقدان بن حبيب بن سلامة بن غوي بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم " .
جاء إلى مكة في ظروف غير معروفة , وحالف بها بني عبد الدار , لكن ابن قتيبة ذكر أنه حالف بني نوفل بن عبد مناف , وهذا قول مفرد لا تؤيده الروايات .
وذكرت الروايات أنه كان ذا شرف في قومه , وحتى بعد أن نزل في مكة , ووردت رواية عن الزبير بن بكار أنه كان يقال في الجاهلية : " والله لأنت أعز من آل النباش وأشار بيده إلى دور حول المسجد فقال كانت هذه رباعهم "

وقد توفي بمكة قبل الإسلام . ولكن لم نحصل على شيء يخص أبا هالة سوى هذه المعلومات , فلم تبين لنا الروايات أين كان منزله قبل مجيئه إلى مكة , وماهي الظروف التي أجبرته على ذلك , ومتى تزوج بالسيدة خديجة رضي الله عنها , ومن زوجه منها , ولماذا تزوج في بني أسد بن عبد العزى ولم يتزوج في حلفائه بني عبد الدار , وكم بقي مع السيدة خديجة رضي الله عنها ؟
وإذا تطرقنا في الحديث عن أبنائه من السيدة خديجة رضي الله عنها فنجد اغلب الروايات تذكر هالة وهند .
- وبالنسبة لهالة بن أبي هالة :
ذكر بعض الرواة أن السيدة خديجة رضي الله عنها أنجبت لأبي هالة ولداً اسمه هالة , وهذا الابن لم يرد اسمه , إلا عند هشام بن محمد الكلبي والزبير بن بكار , أما عامة الرواة كقتادة بن دعامة والزهري وابن إسحاق والواقدي وأبي عبيدة ومصعب الزبيري لم يذكروا لها سوى هذا .
بينما أوردت مصادر أخرى عن هشام الكلبي والزبير روايات تقول إنها لم تلد له سوى هند .
- أما عن هند بن أبي هالة :
ورد ذكر هند بن أبي هالة أكثر من هالة بن أبي هالة , حيث وجدنا له أخباراً في المصادر المختلفة , ففي رواية أنه تربى في حجر الرسول  , وذكرت أحد المصادر المتأخرة رواية عن أبي عبيدة في الهجرة للمدينة ذكر فيها أن عمار بن ياسر , وأبا رافع مولى الرسول  , وهند بن أبي هالة جلسوا يتحدثون عن هجرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  فتذاكروا حماية أبي طالب للرسول  , وأمره لعلي  بالمبيت على فراشه , ثم بعد ذلك قالوا : " استتبع رسول الله  أبا بكر بن أبي قحافة  , وهند بن أبي هالة , وأمرهما أن ينتظراه بمكان عينه لهما في طريقه إلى الغار , ولبث رسول الله  يوصي علياً


ثم خرج رسول الله  ولحق بصاحبيه فساروا معاً حتى وصلوا إلى الغار , فرجع هند إلى مكة لما أمره النبي  ودخل الرسول وأبو بكر إلى الغار " .
وذكر ابن الكلبي أنه شارك في معركة بدر , ومعركة أحد , ونزل في قبر حمزة بن عبد المطلب  , وأورد ابن حبيب رواية تشير إلى أن الرسول  بعثه لتحطيم أحد الأصنام الذي كانت تعبده قبائل ضبة وتميم وعدي وعكل وثور , واسمه شمس , وكانت سدنته بني أوس بن مخاشن من قبيلة تميم , فكسره هند بن أبي هالة وصفوان بن الحلا حل بن أوس بن مخاشن .
أما وفاته فقد اختلف فيها فلم يذكر ابن الكلبي شيئاً عنها , وقال أن ابنه هند بن هند بن أبي هالة قتل مع مصعب بن الزبير في حربه مع المختار سنة سبع وستين , وذكر أبو عبيدة والزبير بن بكار أنه مات في البصرة بالطاعون الجارف , " وذلك أنه مر بالبصرة مجتازاً فمات بها ولم يقم سوق البصرة يومئذ وقالوا : مات أخو فاطمة بنت رسول الله " وفي ذلك اليوم مات ناس كثيرين فشغل الناس بجنائزهم عن جنازة هند ولم يحملها أحد فصاحت نادبته : " وا هنداه وا ربيب رسول الله " فلم تبقى جنازة إلا تركت واحتملت جنازته على أطراف الأصابع إعظاماً لربيب بن رسول الله " .
بينما وردت عن الزبير بن بكار رواية تخالف ما تقدم مفادها أن ابنه هو الذي مات بالطاعون وليس هو .
في حين ذكرت مصادر أخرى عنه أنه قال إن هند قتل في الجمل , وكان مع الإمام علي  وأن ابنه قتل مع مصعب بن الزبير في حربه مع المختار .
وذكر ابن الكلبي والزبير بن بكار أنه بعد وفاة هند بن أبي هالة انقرض عقبهم ولم يبق منهم أحد , ونقلت بعض المصادر عنه قوله : " أنا أكرم الناس بأربعة أبي رسول الله  , وأمي خديجة , وأختي فاطمة , وأخي القاسم " .
وروي عنه حديثاً طويلاً في وصف رسول الله  .


وهذه الروايات هي جملة ما وجد في المصادر من أخبار هند بن أبي هالة .
وفي آخر الحديث عن أبو هالة التميمي زوج السيدة خديجة رضي الله عنها نذكر أنه ترك لها ثروة كبيرة , وتجارة رائجة , فقامت خديجة رضي الله عنها بإدارة أموالها وتوجيهه بما أوتيت من خبرة ومعرفة ونشاط , وقد صرفت كل من تقدم لخطبتها , عازفة عن الزواج , إذ مرت بتجربتين مريرتين , واستطاعت أن تؤسس في مكة بيتاً مالياً تجارياً ضخماً , أصبح من بعد علماً عليها , تٌعرف به , وراحت قوافلها تمضي مصعدة نحو " الشام " أو هابطة شطر " اليمن " .


* * *
يتبع
 

مستبشرة

مشرفة
طاقم الإدارة
الاشراف
عضوية ماسية
عضو
إنضم
22 يونيو 2013
المشاركات
9,537
مستوى التفاعل
22,736
النقاط
122
الإقامة
ارض الله
الموقع الالكتروني
www.almobshrat.net
3- تجارة السيدة خديجة رضي الله عنها :
إن الطابع المميز لسيرة خديجة رضي الله عنها قبل تعرفها بالرسول  هو عملها بالتجارة , حتى كانت هذه الميزة الموضوع الرئيس الذي نقلته لنا الروايات في حياتها السابقة للرسول  , لذلك فإن دراسة حياة السيدة خديجة رضي الله عنها تتطلب منا أن نبحث هذا الجانب من حياتها , لأنه يرتبط بتاريخ حياة الرسول  والمسلمين , لما وفره مالها من خدمات كبيرة للإسلام .
ولم يكن نشاط السيدة خديجة رضي الله عنها التجاري بعيداً عن الطابع العام للحياة الاقتصادية في مكة , حيث تمثل التجارة العمود الفقري لها , والتي ابتدأت منذ فترة طويلة متزامنة مع جمع قصي قريشاً وإسكانها في مكة قرب الكعبة , واضعاً لهم كياناً سياسياً , فحافظ أولاده من بعده على هذا الكيان فزادوا في خدمة الكعبة والوافدين عليها , وأولوهم عناية كبيرة مما رفع من نجم قريش عند بقية قبائل الجزيرة العربية .
والخطوة المهمة في الحياة الاقتصادية لمكة , هو ما قام به هاشم بن عبد مناف , وأخوانه من عقد المعاهدات التجارية التي تسمى الإيلاف , فاستطاعوا أن يؤمنوا تجارة قريش من أخطار الطريق من خلال هذه المعاهدات فتطورت تجارتها من تجارة داخلية إلى تجارة خارجية .
فأصبح لقريش صلات مع العراق والشام واليمن والحبشة على السواء , وأخذت رحلات الإيلاف تتوالى في كل سنة فكونت جماعات من التجار تتقاسم ما يعود عليها من الربح , فكان الإيلاف خيراً ونماءً لكل القرشيين , حتى بلغت تجارة قريش الذروة , فعمل القرشيون كتجار أو وسطاء أو كناقلين للتجارة فازداد ثرائها , وتبع هذا النشاط استقرار في مجتمع مكة , وحمل إليه أنواعاً متعددة من الثقافات التي كانت تفد مع التجار الأجانب , فنشأ تبعاً لذلك مجتمع متحضر يختلف اختلافاً كلياً عن مجتمعات الجزيرة العربية , وتبعاً لذلك تطورت مكانة المرأة في هذا المجتمع فاشتركت النساء في كثير من نشاطاته , وأهم هذه النشاطات هي التجارة التي لم تبق حكراً على الرجال , لأن القوافل مشتركة يقودها وكلاء , وبإمكان أي شخص أن يشترك بها .


وكانت المرأة أحياناً تتبارى مع الرجال في التجارة , ولكن لم نجد من سبقت في هذه الحلبة وتبارت مع السيدة خديجة من النساء بل لقد سبقت الرجال , وكانت فريدة عصرها في هذا المضمار .
لقد اتجهت السيدة خديجة رضي الله عنها إلى التجارة بعد أن فقدت زوجها الثاني , وكانت سلوتها في الحياة , وكانت مباركة فبارك الله لها في مالها وتجارتها حتى كثر المال , وذاع الصيت , وصار التجار في بلاد الشام وبلاد فارس والروم ينتظرون تجارة السيدة خديجة , لما تمتاز به من جودة الصنف واختيار النوع , وشمولها على المطلوب , فزادت ونمت وكثرت حتى قيل : إن عيرها التي تحمل البضائع كانت تعادل عير قريش في حجمها , ونفاسة ما اشتملت عليه من بضائع .
وكانت تدير تجارتها وهي في برجها العاجي , تصدر أوامرها إلى خدمها ومواليها فيوصلونها إلى من اختارتهم لتجارتها , وإذا اقتضى الأمر مناقشتهم , وكان لابد من ذلك فهي السيدة التي يؤخذ برأيها الناضج , وخبرتها الطويلة , التي زادها قوة ذكاؤها النادر , وما عرفته من أحوال الناس , مما كانت تطلع عليه من أقرب الناس إليها وألصقهم بها من أمثال ابن أخيها حكيم بن حزام بن خويلد .
وكانت رضي الله عنها مستقلة بتجارتها وأموالها , ولم يكن لأحد من عائلتها سلطان عليها , ولا على من تختارهم وكلهم من ذوي الأمانة في حلهم وترحالهم , فهي حرة في تصرفاتها , تمليها عليها نفسها الأبية الكريمة , وقلبها الكبير الذي يتفتح للفقير والمحتاج والمسكين , وآمالها العريضة الصافية التي تستمدها من روحها الطيبة .
ومع ذيوع صيتها رضي الله عنها , وتحدث الناس بسيرتها العطرة في داخل الجزيرة وخارجها , لم يحدث أن ذهبت بتجارتها إلى الأسواق في الداخل أو الخارج , وإنما كانت تؤجر أناساً يكونون وكلاء عنها في التجارة على أجر معلوم , تعطيهم إياه على مقدار ما يبذلون من جهد في الرحلة , ولا شأن لهؤلاء الوكلاء بمقدار كسب التجارة وإنما لهم أجر معلوم يأخذونه كسدت التجارة أو ربحت , وأجرهم مقدر بالأمن أو العمل أو بهما معاً .
أو تختار رضي الله عنها أناساً يتجرون في المال بعقد بينها وبينهم على أن يكون الربح بينها وبينهم مقسوماً بحصص شائعة كالربع أو الثمن أو السدس أو نحو ذلك ,
وملكيتها قائمة , وإذا خسرت التجارة تكون الخسارة عليها وحدها , لأن المال باق على ملكيتها , ويسمى هذا العقد المضاربة أو القرض .
ويقول الشيخ أبو زهرة رحمه الله : " ولا شك أن الطريقتين كانتا تحتاجان إلى أمانة كاملة , فكانت السيدة خديجة رضي الله عنها تتحرى في أولئك العاملين لها الأمانة , لأنهم في عملهم ينوبون عنها لا تلقاهم إلا في ذهابهم ومجيئهم , وكانت مع ذلك ترسل من قبلها من يكون معهم كميسرة مولاها " .
وكانت رضي الله عنها تتمتع بشهرة عظيمة في البلاد التي تصل إليها تجارتها وذلك في الشام والعراق وفارس وبلاد الروم , لعراقة بيتها في الشرف من ناحية , ولاستيلائها من ناحية أخرى على تجارة العطور والديباج والحرير في الهند واليمن وبلاد فارس , وكانت قوافلها التي تصل إلى الآلاف من الجمال تنقل التجارة إلى أسواق هذه البلاد وغيرها , فيقبل الأغنياء عليها , بل لقد كان للسيدة خديجة رضي الله عنها عمال من الروم والغساسنة والفرس في دمشق والحيرة , وفي عاصمة كسرى .
كانت التجارة رابحة دائماً , وكان المال كثيراً , والصيت يعم الآفاق , وقد ملكت الدنيا , ولكن كل هذا كان يمر على قلب خديجة الصافي , والنفس الشفافة , والضمير الحي , مرور العابر , فلم يؤثر فيها المال , ولم يصنع بالقلب والنفس والأيدي إلا ما يرضي رب السماوات والأرض , ولم يستول عليها بريقه ورنينه , ولم يتحكم فيها كثرته وجماله .

* * *

يتبع
 

مستبشرة

مشرفة
طاقم الإدارة
الاشراف
عضوية ماسية
عضو
إنضم
22 يونيو 2013
المشاركات
9,537
مستوى التفاعل
22,736
النقاط
122
الإقامة
ارض الله
الموقع الالكتروني
www.almobshrat.net
1- عمل الرسول صلى الله عليه وسلم  في تجارتها رضي الله عنها :

لقد كان من حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم  , وصدق حديثه , وابتعاده عن كل أمر لايعنيه , قد زاد من احترامه , وجعل أهل مكة ينزلونه منزلة خاصة .
ومع وصول الرسول صلى الله عليه وسلم  سن الخامسة والعشرين حتى ترك رعي الأغنام وأصبح يٌرى في السوق , حيث أنه في تلك الحقبة من الزمن قد تعلم من رحلاته مع عمه أبي طالب في صغره .
وقد ذكر في المصادر في صدد تجارة الرسول صلى الله عليه وسلم  في مال خديجة أنه لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم  خمساً وعشرين سنة , وليس له بمكة اسم إلا الأمين , وقد تكامل فيه خصال الخير , قال له عمه أبو طالب : يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا , وألحت علينا سنون منكرة , وليست لنا مادة ولا تجارة , وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام , وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك فلو تعرضت لها .
وقد كانت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها امرأة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها , وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم , وكانت قريش قوم تجار , فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته , وكرم أخلاقه , بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً , وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة , فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها .
وما إن خرج عليه الصلاة والسلام من بيت خديجة رضي الله عنها , حتى اتجه إلى عمه أبي طالب ليخبره بالخبر , فسر عمه بما وصل إليه وشجعه قائلاً : " إن هذا رزق ساقه الله تعالى إليك " .
واستعد عليه الصلاة والسلام في التجارة بمال خديجة رضي الله عنها , حيث اتفقا على أن يسافر لها سفرتين , وكانت السفرة الأولى إلى سوق حباشة وهي سوق من أسواق العرب في الجاهلية , ومدته ثمانية أيام في السنة , ويقام بتهامة , وقد وفق الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة فباع كل ما كان معه , وابتاع من السوق ما وجد فيه , مما يروج بيعه وشراؤه , حتى انقضت أيام السوق الثمانية ,


ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى مكة ومعه ميسرة , وقد امتلأت نفس هذا الغلام من الحب والإعجاب مما رآه من خٌلق سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام , وصدقه والخير الذي جاء على يديه , فأسرع إلى سيدته ليخبرها بما رأى وسمع , ويصف لها هذا الرجل العظيم .
فأمرت رضي الله عنها بما سمعته عن أمانة الرسول صلى الله عليه وسلم بسفرة أخرى , وكانت الرحلة الجديدة إلى الشام خارج الجزيرة , وهذه الرحلة يعد لها تجار مكة إعداداً كبيراً , فيحملون معهم كل ما يدر عليهم الربح الكثير , والمال الوفير , وهم يعرفون ما تحتاج إليه تلك البلاد .
ومع سير القافلة كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم مولى خديجة رضي الله عنها ميسرة , وقد أمرته سيدته ألا يعصي أمراً لمحمد صلى الله عليه وسلم, وأن يعاونه في كل أموره ويساعده , ولا يخالف له رأياً .
ووصلت القافلة بصرى جنوب الشام , وبدأ التجار في عرض ما معهم من البضائع , ولكن عليه الصلاة والسلام أخذ بالتجوال في السوق ليتعرف على أحوال البيع والشراء , ثم بدأ في عرض ما معه .
ويقال : إن الناس كانوا يسألون عن تجارة خديجة , لما تمتاز به من حسن الصنف وجودته , وبدأت تظهر مواهب الرسول صلى الله عليه وسلم ومقدرته على البيع ولقاء الناس , فقد اختلف رجل من أهل الشام عليه سمات الوقار , أو تعمد أن يختلف معه , فقال له : " احلف باللات والعزى " فرد عليه الرسول  قائلاً : " ما حلفت بهما قط وإني لأمر فأعرض عنهما " , فقال الرجل : القول قولك .
وحدث في هذه الرحلة أن نزل محمد صلى الله عليه وسلم يستظل تحت شجرة بالقرب من صومعة راهب يدعى " نسطورا" فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال : من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة ؟ فقال له ميسرة : هذا الرجل من قريش من أهل الحرم , فقال له الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي .
وقد باع الرسول  كل ما معه , واشترى ما طلب منه شراؤه , وما يعتقد أن الإقبال عليه يكثر في أسواق مكة , واستعد للرجوع , وأقبل قافلاً إلى مكة ومعه ميسره , فكان يقال : أنه إذا كانت الهاجرة واشتد الحر نزل ملكان يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره , وكان الناس وميسرة يدهشهم كثرة تجمع الغمام ثم تظليله لمحمد صلى الله عليه وسلم .
ولما وصلت القافلة إلى وادي الظهران بالقرب من مكة , قال له ميسرة : يا محمد انطلق إلى خديجة
فأخبرها بما صنع الله لها على وجهك فتقدم كما تقدم غيره من شباب قريش العائدين مع القافلة , وسارت القافلة حتى أناخت خارج مكة , وخرج رجال قريش كعادتهم لاستقبالها , واعتلت نساء قريش أسطح المنازل حتى ترى كل منهن ذوي قرابتها العائدين من الشام عند دخولهم المدينة .
ودخل الرسول عليه الصلاة والسلام مكة ساعة الظهيرة , وكانت خديجة رضي الله عنها تطل مثل غيرها من النساء من غرفة عالية في بيتها بالبطحاء فرأت محمداً وهو على قعود أحمر , ورأت ما يظلله , فزاد من إعجابها , وعظمت منزلته في قلبها , ولم يعد إليها محمد صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن ذهب إلى الكعبة فطاف بها سبعاً , ثم دعا ما شاء له من الدعاء , وحمد الله على الرحلة المباركة , ثم ذهب إلى بيت خديجة رضي الله عنها ليخبرها بشأن التجارة , وما أولاه الله من توفيق عظيم , يتمثل فيما أعطاه الله من الربح والبركة , فأجزلت السيدة خديجة رضي الله عنها للرسول  العطاء , وكافأته ضعف ما كانت قد عرضت عليه من أجر .
ودخل على السيدة خديجة رضي الله عنها خادمها ميسرة , وأخذ يروي عليها أنباء هذه الرحلة المباركة , وما جرى فيها من أحداث لم يشهد لها مثيلاً من قبل , وعما قاله راهب بصرى , وما وصف به محمداً صلى الله عليه وسلم , وعن الغمامة التي كانت تظله , ثم عن معاملته وأخلاقه وصفاته .
أصغت السيدة خديجة رضي الله عنها إلى كل ما قاله ميسرة ثم انطلقت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل لتخبره بما سمعت من ميسرة , كانت تحدثه وقد غمره السرور والإعجاب , ثم أخبرها بما قرأ في الكتب القديمة المنزلة أن الله سيبعث إلى الناس رسولاً هو خاتم الأنبياء والمرسلين , وأن هذا الرسول من ولد إسماعيل , وسيولد بجوار البيت , وأن ظهوره قد حان .

* * *
 

مستبشرة

مشرفة
طاقم الإدارة
الاشراف
عضوية ماسية
عضو
إنضم
22 يونيو 2013
المشاركات
9,537
مستوى التفاعل
22,736
النقاط
122
الإقامة
ارض الله
الموقع الالكتروني
www.almobshrat.net
2- زواجها رضي الله عنها وأبناءها :
وردت عدة روايات عن زواج الرسول  بالسيدة خديجة رضي الله عنها , وكان من أشهر تلك الروايات :
- أوردت المصادر رواية عن محمد بن اسحق : " كانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة مع ما أراد الله بها من كرامته , فلما أخبرها غلامها ميسرة بما أخبرها به بعثت إلى الرسول  , فقالت فيما يزعمون : يا ابن عم إني رغبت فيك لقرابتك , وسلطتك في قومك , وأمانتك , وحسن خلقك , وصدق حديثك , ثم عرضت عليه نفسها , وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسباً , وأعظمهن شرفاً , وأكثرهن مالاً , وكل قومها كان حريصاً على ذلك منها لو يقدر عليه , فلما قالت ذلك لرسول الله  ذكر ذلك لأعمامه , فخرج معه عمه حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها " .
- أوردت بعض المصادر رواية عن حماد بن سلمة فيما يحسبه ابن عباس : " أن رسول الله  ذكر خديجة وكان أبوها يرغب في أن يزوجه , فصنعت طعاماً وشراباً ودعت أباها ونفراً من قريش فطعموا وشربوا حتى ثملوا , فقالت خديجة : إن محمد بن عبد الله يخطبني فزوجني إياه , فزوجها , فخلقته وألبسته, وكذلك كانوا يعملون بالآباء , فلما سرى عنه سكره نظر فإذا هو مخلق وعليه حلّة , فقال : ما شأني , ما هذا ؟! قالت : زوجتني محمد بن عبد الله , فقال : أنا أزوجك يتيم أبي طالب لا لعمري , فقالت خديجة : ألا تستحي تريد أن تسفه نفسك عند قريش تخبر الناس أنك كنت مخموراً , فلم تزل به حتى رضي " .
وفي هذه الرواية شيء من التعليق يمكن أن نقول فيه : أن وصف محمد بيتيم أبي طالب , أو يتيم قريش غير معقول , ولا مقبول بعد أن صار رجلاً رشيداً , واليتيم لا يمتد إلى ما بعد الرشد , واليتيم ليس معّرة , وكان محمد  إذ ذاك تاجراً يربح , وفتى من فتيان قريش , ذوى المكانة , و القدر , والنسب , والعقل .


وقال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله : " إن احتمال أن يعقد رجل من أشراف العرب عقد زواج وهو مخمور يستنكره العرف والعقل , ولا يمكن أن يقدم عليه أبو طالب , وهو كبير ومسن ووكيل النبي  في الزواج " , وما ذكره ابن إسحاق أن الذي زوجها أبوها خويلد غير صحيح لأن خويلد قد مات قبل حرب الفجار , وذلك ثابت ومشهور , لأن الخبر الذي يقول إن الذي زوجها هو أبوها تضمن ما يدل على كذبه , وقد روى الطبري عن جبير بن مطعم عن ابن عباس عن عائشة رضي الله عنهم أجمعين قال إن عمرو بن أسد هو الذي انكح خديجة رسول الله  وأن خويلدا كان قد هلك قبل الفجار .
- أوردت المصادر روايتين عن الواقدي بسنده عن نفيسة بنت منية : " كانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير , وهي يومئذ أوسط قريش نسباً وأعظمهن مالاً , وكل قومها حريصاً على نكاحها لو قدروا على ذلك , وقد طلبوها وبذلوا لها الأموال فأرسلتني دسيساً إلى محمد بعد أن رجع عيرها من الشام , فقلت : يا محمد ما يمنعك أن تتزوج ؟ فقال : ما بيدي ما أتزوج به , قلت : فإن كفيت ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب ؟ قال : فمن هي؟ قلت : خديجة , قال : وكيف لي بذلك ؟ قلت : علي , قال : فأنا أفعل , فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه أن إتت ساعة كذا وكذا , وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها , فحضر ودخل رسول الله  في عمومته فزوجه أحدهم , وتزوجها رسول الله  وهو ابن خمسة وعشرون سنة " .
على كل حال ومع تعدد الروايات الكثيرة حول الخطبة والزواج بين رسول الله  والسيدة خديجة رضي الله عنها نجد في الروايات جميعاً التي أوردتها والتي لم أوردها أن السيدة خديجة رضي الله عنها هي من رغبت بالزواج من محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم , وأقدمت على خطبته , فالسؤال هنا يطرح نفسه !! هل كان مجتمع مكة يقبل هذه المسألة أي أن تخطب المرأة الرجل ؟ .
إن الإعجاب الذي سرى إلى نفس السيدة خديجة رضي الله عنها بأمانة محمد  وخلقه الكريم , جعلها لا تتقيد بعادات وتقاليد وضعها مجموعة من الناس وتعارفوا عليها لتلاءم حياتهم في فترة ما , وهذه العادات والتقاليد غير ملزمة لكل المجتمع ,

فهي تطبق بحسب المصلحة ونرى في كثير من الأحيان خروجا عليها , لأن التطبيق فيها نسبي كما هو شأن الكثير من القوانين الوضعية التي تعارف عليها البشر , كذلك فإن الحياة في المجتمع المكي كانت متميزة نوعاً ما عن بقية مجتمعات الجزيرة العربية , فحظيت المرأة بنوع من الحرية نتيجة لما عليه وضع مكة كمدينة أولاً , وكملتقى تجاري يفد إليه كثير من التجار من مناطق متحضرة حاملين معهم ألواناً متعددة من الثقافات , وتبعاً لذلك كان للمرأة الحق في اختيار الزوج .
ونأتي هنا للحديث عن مراسيم الزواج المبارك حيث جاء الرسول  معه أعمامه أبو طالب , وحمزة , والعباس , ودخلوا على عم السيدة خديجة رضي الله عنها عمرو بن أسد , وكان معه ابن عمها ورقة بن نوفل , وابن أخيها حكيم بن حزام , وجمع من رؤساء مضر , وكبراء مكة وأشرافها لإتمام العقد , وتكلم أبو طالب باسم محمد , ثم وقف خطيباً وقال : " الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم , وزرع إسماعيل , وضئضئ معد , وعنصر مضر , وجعلنا حضنة بيته , وسواس حرمه , وجعل لنا بيتاً محجوجاً لا يوزن به رجل من قريش إلا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً , وإن كان في المال قلاً , فإن المال ظلّ زائل , وأمر حائل , وعارية مسترجعة , ومحمد من قد عرفتم قرابته , وقد خطب بنت خويلد , وقد بذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي هذا , وهو مع هذا له نبأ عظيم , وخطر جليل " .

فتزوجها  وأصدقها عشرين بكرة , وقيل اثنتا عشرة أوقية ذهباً ونشا.
وكان عمره  خمسة وعشرين سنة , وكانت عمرها رضي الله عنها أربعين سنة وهذا في أرجح الروايات .
وخطب ورقة بن نوفل , فردّ على أبي طالب , فكان مما قال : الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت , وفضلنا على ما عددت , فنحن سادة العرب وقادتها , وأنتم أهل ذلك كله , لا ينكر العرب فضلكم , ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم , ورغبتنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم , فاشهدوا عليّ معاشر قريش أني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله

فقال أبو طالب : قد أحببت أن يشركك عمها , فقال عمها : اشهدوا عليّ معاشر قريش أني أنكحت محمد بن عبد الله, وشهد على ذلك صناديد قريش " .
وفي ذكر وليمته  على خديجة رضي الله عنها أنه ذكر الملا في سيرته أن النبي  لما تزوج خديجة رضي الله عنها ذهب ليخرج , فقالت له : إلى أين يا محمد ؟ اذهب وأنحر جزوراً , أو جزورين , واطعم الناس , ففعل ذلك  وهي أول وليمة يولمها  .
وبعد أن تمت مراسيم الزواج انتقل رسول الله  من بيت أبي طالب إلى بيت السيدة خديجة رضي الله عنها القريب من الكعبة , حيث بيوت قريش حافة بها , ويبدوا أن انتقال الزوج إلى بيت الزوجة لم يكن حالة عامة في مكة , بل كان حالة خاصة اقترنت بالرسول  بحكم ظروفه الخاصة , وسعة موارد السيدة خديجة رضي الله عنها الاقتصادية , وهذا المنزل ليس غريباً عن الرسول  فقد استقبله عدة مرات وهو عائد إلى مكة من سفرته التجارية , لكن هذه المرة استقبله وهو بيته وبين زوجته , حيث تم زواجه من أولى نسائه , ووضع أساس بيته الأول الذي تلقى فيه نفحات السماء , وبركات ربه تبارك وتعالى , فعرف فيه الهدوء والاطمئنان .
وعاش النبي  خمسة عشر عاماً في بيت السيدة خديجة رضي الله عنها قبل أن يوحى إليه , عيشة راضية هانئة هيأتها له زوجته , فكانت له نعم الزوجة البارة , والأخت والأم , والصدر الحنون الذي وضع محمد  رأسه عليه , فكانت الرابطة التي ربطه بها روحية جعلته لا يقترن بأي من بنات حواء سواها , وظل الحب الوحيد له طوال بقائها معه حتى توفيت وتركته وحيداً حزيناً على فراقها , فأصبحا في حياتهما شخصاً واحداً , فلم ترهقه بما عرف عن بنات حواء من كثرة الثرثرة , بل تركته لتأملاته وخلواته الروحية , وكانت خديجة بما امتزج في شخصيتها من العقل والجمال , مثالاً للزوجة المخلصة الحريصة على إرضاء زوجها , فلم تدخر وسعاً في إدخال السرور على نفسه  , فكانت تكرم وفادة مرضعته حليمة السعدية , وجاريته بركة , وكانت السيدة الشريفة أطوع لرسول الله  من بنانه , ما تكاد تلمح منه الرغبة إلى أمر إلا ابتدرته , اشترت يوماً زيد بن حارثة ,

واهدته إلى النبي  لما رأت ميله إليه , فكانت هي السبب فيما امتاز به زيد رضي الله عنه من السبق إلى الإسلام , وكانت رضي الله عنها شديدة التعظيم للنبي  , والتصديق لحديثه قبل البعثة وبعدها , وهي بذلك أصبحت عنواناً للنساء ومصدر فخر لهن , فانفردت من بين نسائه بأنها عاشت معه رجلاً قبل أن يكون رسولاً .
ونأتي للحديث عن أبناء الرسول  من السيدة خديجة رضي الله عنها , فنجد أن الروايات اتفقت على أن السيدة خديجة رضي الله عنها أنجبت جميع أبناء الرسول  عدا إبراهيم الذي ولدته السيدة مارية القبطية رضي الله عنها , ولم يلد له من أزواجه سواها , ففي رواية قتادة بن دعامة : " ولدت له غلامين وأربع بنات القاسم وبه كان يكنى , وعاش حتى مشى , وعبد الله مات صغيراً , ومن النساء فاطمة , وزينب , ورقية , وأم كلثوم " .
- القاسم بن رسول الله  :
لم يشذ أحد من الرواة في أنه أكبر أولاده من الذكور والإناث , وذهبت روايات أخرى أنه ولد بعد زينب , وتبعاً للاختلاف في ولادته نشأ اختلاف في وفاته , أما مقدار عمره فقد ذهبت الكثير من الروايات أنه مات قبل أن يكمل رضاعه أي قبل أن يبلغ العامين من عمره , وفي بعض الروايات أنه مات بعد ليال من ولادته , لكن هناك روايات تذكر أنه بلغ أربع سنين أو بلغ ركوب الدابة والنجيبة .
- عبد الله ابن رسول الله  :
ذكرت الروايات ابناً آخر لرسول الله  وهو عبد الله أو الطيب أو الطاهر , أو أن هذه الأسماء الثلاثة لولد واحد أو لأثنين ثم اختلفوا في وفاته , وذكر بعض الرواة أن السيدة خديجة رضي الله عنها ولدت بعد القاسم ولداً اسمه عبد الله فسمي الطاهر والطيب لولادته في الإسلام , وجاء ذلك عن طريق هشام بن محمد الكلبي , والواقدي , ومصعب الزبيري , والزبير بن بكار .



- زينب بنت رسول الله  :
ولدت رضي الله عنها في السنتين الأولى من زواج النبي  , ولم تذكر المصادر المتقدمة تحديد دقيق لولادتها رضي الله عنها , وتزوجت رضي الله عنها من أبي العاص بن الربيع وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد , وولدت منه بنتاً , وفي رواية أنها ولدت لأبي العاص ابناً مات وهو صغير , وعندما جاء الإسلام أسلمت زينب مع أمها , " وفي رواية أنه بعد أن أعلن النبي  الدعوة جاءت لأبي العاص وجوه قريش فقالوا : أردد على محمد ابنته , ونحن نزوجك أي امرأة أحببت من قريش , فقال : لا والله لا أفارق صاحبتي فإنها خير صاحبة " , أي أنها بقيت بمكة بعد الدعوة وهجرة الرسول  , وبعد معركة بدر بفترة هاجرت زينب رضي الله عنها إلى المدينة , وبقي أبو العاص على الشرك , ثم أسلم بعد قصة تجارته بمال قريش , أسلم وهاجر إلى النبي  في محرم سنة سبعة من الهجرة , فرّد عليه رسول الله  زينب رضي الله عنها , وبقيت زينب رضي الله عنها مع أبي العاص فترة من الزمن ثم توفيت سنة ثمان من الهجرة , وغسلتها أم أيمن زوجة زيد بن حارثة مولاة رسول الله  , وسودة بنت زمعة , وأم سلمة أزواج النبي  رضوان الله عليهن .
- رقية بنت رسول الله  :
ولدت رضي الله عنها بعد زينب , في السنة الثالثة والثلاثين من عمر الرسول  , وذكرت الروايات أنها تزوجت من عتبة بن أبي لهب قبل الإسلام , وطلقها عندما جاء الإسلام , فتزوجها عثمان بن عفان  , وهاجرت معه إلى الحبشة , ثم عادت بعد فترة مع زوجها إلى مكة , ثم هاجرا إلى المدينة , وبقيت فترة من الزمن في المدينة حتى خرج رسول الله  إلى معركة بدر , وكانت رضي الله عنها مريضة , فأمر الرسول  عثمان بن عفان  بالبقاء بجوارها بسبب مرضها حيث كانت مصابة بالحمى وتوفيت نتيجة لذلك , وعندما عاد الرسول  من المعركة وجدها قد ماتت ودفنت رضي الله عنها وأرضاها .

- أم كلثوم بنت رسول الله  :
هي البنت الثالثة لرسول الله  , ولم تذكر لها الروايات اسماً غير هذا , تزوجت أم كلثوم رضي الله عنها من عتيبة بن أبي لهب , وطلقها بعد مجيء الإسلام , وهاجرت إلى المدينة مع المسلمين , وبقيت مع أبيها حتى السنة الثالثة من الهجرة , فتزوجها عثمان بن عفان  بعد وفاة أختها رقية رضي الله عنها , فلقب  بذي النورين , وكما هو الحال مع أختها رقية رضي الله عنها لم أجد روايات كثيرة عنها تبين لنا ولادتها أو حياتها مع الرسول  , والسيدة خديجة رضي الله عنها في مكة , أو حياتها مع أبيها بعد الهجرة إلى المدينة , وذكرت الروايات أنها توفيت في السنة التاسعة للهجرة .
- فاطمة الزهراء بنت رسول الله  :
رابع بنات الرسول  , وتقول الروايات أنها ولدت بعد البعثة , وعاشت في كنف أبيها وأمها , ثم فقدت رضي الله عنها أمها في سنين طفولتها الأولى فتعلقت بأبيها  , وهاجرت مع المسلمين إلى المدينة , وبقيت مع رسول الله  في بيته , وبعد معركة بدر تزوجت علي بن أبي طالب  , فأنجبت لعلي  الحسن والحسين رضي الله عنهما اللذان كانا قرة عين رسول الله  , وبقيت فاطمة رضي الله عنها مع علي بن أبي طالب  مدة تصل إلى عشر سنوات , حيث أنها الوحيدة من بنات الرسول  التي بقيت بعد وفاته  , ففي رواية عن عائشة رضي الله عنها قالت : " أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله  , فقال : مرحباً بابنتي , ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله , ثم أسرّ لها حديثاً فبكت , ثم أسر لها حديثاً فضحكت , فقلت : ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب إلى حزن , فسألتها عما قال لها , فقالت : ما كنت لأفشي سرّ رسول الله  , فلما قبض سألتها , فأخبرتني أنه أسر إلي فقال : إن جبريل كان يعرضني بالقرآن في كل سنة مرة واحدة , وإنه عارضني هذا العام مرتين , وما أراه إلا وقد حضر أجلي , وإنك أول أهلي لحوقاً بي , ونعم السلف أنا لك فبكيت , فقال : ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين فضحكت " .

* * *

يتبع
 

مستبشرة

مشرفة
طاقم الإدارة
الاشراف
عضوية ماسية
عضو
إنضم
22 يونيو 2013
المشاركات
9,537
مستوى التفاعل
22,736
النقاط
122
الإقامة
ارض الله
الموقع الالكتروني
www.almobshrat.net
- إسلامها ودورها في نصرة الإسلام :

كانت خديجة رضي الله عنها أول من آمنت برسول الله  من النساء والرجال , ويأتي ذلك في قول الرسول  : " آمنت بي إذ كفر الناس , وصدقتني إذ كذبني الناس , وواستني في مالها إذ حرمني الناس , ورزقني منها الولد إذ حرمني أولاد النساء . . " .
وكان إسلامها رضي الله عنها فوراً بنزول الرسالة المحمدية على أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم  وكان ذلك بالوحي , فعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : " أول ما بدئ به رسول الله  من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم , فكان لايرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح , ثم حبب إليه الخلاء , وكان يخلوا بغار حراء , فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله , ويتزود لذلك , ثم يرجع إلى خديجة , فيتزود لمثلها , حتى جاءه الحق , وهو في غار حراء فجاءه الملك , فقال : إقرأ , فقال : ما أنا بقارئ , فأخذني فغتني حتى بلغ مني الجهد , ثم أرسلني , فقال : إقرأ , قلت : ما أنا بقارئ , فأخذني فغتني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني , فقال : إقرأ , فقلت : ما أنا بقارئ , فأخذني فغتني الثالثة ثم أرسلني , فقال :  إْقْرَأْ بِاْسْمِ رَبِّكَ اْلَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ اْلْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ إْقْرَأْ وَرَبُّكَ اْلْأَكْرَمُ ۝ اْلَّذِي عَلَّمَ بِاْلْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ اْلْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ  , فرجع بها رسول الله  يرجف بها فؤاده , فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها , فقال : زملوني , زملوني , فزملوه حتى ذهب عنه الروع , فقال لخديجة وأخبرها الخبر : " لقد خشيت على نفسي " , فقالت خديجة : كلا , والله ما يخزيك الله أبدا , إنك لتصل الرحم , وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم , وتقري الضيف , وتعين على نوائب الدهر , فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة , وكان امرأ تنصر في الجاهلية , وكان يكتب الكتاب العبراني

فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب , وكان شيخاً كبيراً قد عمي , فقالت خديجة : يا ابن عم , اسمع من ابن أخيك , فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم  خبر ما رأى , فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى , يا ليتني فيها جذعاً , ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك , فقال رسول الله  : أو مخرجي هم ؟! قال : نعم , لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي , وإن يدركني يومك أنصرك نصرأً مؤزراً , ثم لم ينشب ورقة أن توفي , وفتر الوحي " .
وفي فترة فتور الوحي ذكرت رواية الزهري أنه : " فتر الوحي عن رسول الله  فترة فحزن حزناً شديداً ثم تبدى له جبريل , فيقول له : إنك نبي الله , فيسكن لذلك جأشه وترجع إليه نفسه , فكان النبي  يحدث عن ذلك , قال : فبينما أنا أمشي يوماً إذ رأيت الملك الذي يأتيني بحراء على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه رعباً , فرجعت إلى خديجة , فقلت : دثروني , فأنزل الله عز وجل :  يَأَيَّهَا اْلْمُدَّثِّرُ  .
وفي هذه الأحداث التي حدثت مع أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم نجد أن السيدة خديجة رضي الله عنها تقف موقفاً إيجابياً من هذه الأحداث , وهذا يمكن إرجاعه إلى النشأة الدينية التي نشأت عليها , كما أن بقائها مع الرسول صلى الله عليه وسلم  هذه الفترة الطويلة , ارتفع بمستواها الديني إلى حد كبير , فاستقبلت هذا النبأ بثبات ويقين , ولم يأخذها شك في أقوال زوجها , وحالتها النفسية المستقرة عندما أخبرها زوجها نبأ الوحي تدل على أنها كانت تمتلك عقلاً حصيفاً يبعث على الاستقرار , فضلاً عن معرفتها باستقامة منهج حياة زوجها , وعزوفه عن معبودات قومه الوثنية , كما أن فترة الاستعداد النفسي والروحي الطويلة الذي شاركت بها الرسول صلى الله عليه وسلم جعل أمر نزول الوحي يبدوا نتيجة لكل ذلك .
يقول ابن إسحاق في إسلام خديجة بنت خويلد : " وآمنت به خديجة بنت خويلد , وصدقت بما جاءه من الله , ووازرته على أمره , وكانت أول من آمن بالله وبرسوله , وصدّق بما جاء منه , فخفف الله بذلك عن نبيه  , لا يسمع شيئاً مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له , فيحزنه ذلك , إلا فرّج الله عنه بها إذا رجع إليها , تثبته عليه , وتصدّقه وتهون عليه أمر الناس , رحمها الله تعالى .

وفي رواية ابن إسحق : " إن الصلاة حين افترضت على رسول الله  أتاه جبريل عليه السلام ورسول الله ينظر إليه ليريه كيف الطهور للصلاة , ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل عليه السلام يتوضأ , ثم قام جبريل عليه السلام فصلى به وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته ثم انصرف جبريل عليه السلام , فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة , فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل عليه السلام فتوضأ لها رسول الله  ثم صلى بها عليه الصلاة والسلام كما صلى به جبريل فصلت بصلاته " .
وهذه رواية عن صلاة السيدة خديجة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم  أخبرنا يحي بن الفرات حدثنا سعيد بن خيثمة الهلالي عن أسد بن عبيدة البجلي عن ابن يحي بن عفيف عن جده عفيف الكندي قال : " جئت في الجاهلية إلى مكة وأنا أريد أن أبتاع لأهلي من ثيابها وعطرها , فنزلت على العباس بن عبد المطلب , قال : فأنا عنده , وأنا أنظر إلى الكعبة وقد حلقت الشمس فارتفعت , إذ أقبل شاب حتى دنا من الكعبة فرفع رأسه إلى السماء فنظر ثم استقبل الكعبة قائماً مستقبلها , إذ جاء غلام حتى قام عن يمينه ثم لم يلبث إلا يسيراً حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما , ثم ركع الشاب فركع الغلام وركعت المرأة , ثم رفع الشاب رأسه ورفع الغلام رأسه ورفعت المرأة رأسها , ثم خر الشاب ساجداً , وخر الغلام ساجداً وخرت المرأة ساجدة , فقلت : يا عباس إني أرى أمراً عظيماً , قال العباس : أمر عظيم , أتدري من هذا الشاب ؟ قلت : لا أدري !! قال : هذا محمد بن عبد المطلب ابن أخي , هل تدري من هذا الغلام ؟ قلت : لا أدري , قال : علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن أخي , هل تدري من هذه المرأة ؟ قلت : لا أدري : قال : هذه خديجة بنت خويلد زوجة محمد ابن أخي هذا الذي ترى , حدثنا أن ربه رب السماوات والأرض , أمره بهذا الدين الذي بعث عليه , ولا والله ما علمت على ظهر الأرض كلها على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة , قال عفيف : فتمنيت أن كنت رابعهم " .
لقد كان دخول السيدة خديجة رضي الله عنها في الإسلام شيئاً كبيراً , وذلك لأن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت ثورة على الشرك والمعتقدات الفاسدة , وأي ثورة تأتي بشيء غير مألوف أو تحاول تغيير قوانين اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية تعرفها الناس في مجتمع ما تواجه بالرفض والعداء , لا سيما من الأفراد الذين تؤثر فيهم هذه التغييرات , وعبادة الأصنام كانت نظاماً اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً اعتاده


القرشيون ورتبوا حياتهم على أساسه , وتقادمت السنين وهم على هذا الحال , فكان إيمان السيدة خديجة رضي الله عنها يعني مواجهة كل هذه الضغوط , فأثّر ذلك في معنويات سيد الخلق محمد  وهو في مرحلة كان بأمس الحاجة إلى من يصدقه .
وبعد أن أسلمت عائلة الرسول صلى الله عليه وسلم , وتتابع الناس في الدخول إلى الإسلام , وأسلم الرجال والنساء وقريش ترى ذلك دون أن تتعرض له ولأتباعه , حتى جاء الإعلان الرسمي للدعوة حيث أمر الرسول  بدعوة الناس إلى الإسلام مبتدئاً بالأقربين له من عشيرته فقال تعالى :  وَ أَنذِرْ عَشِيرَتَكَ اْلْأَقْرَبِينَ
فكانت خديجة رضي الله عنها تساند زوجها وتؤازره في أمور دعوته من أجل نصرة الدين .

* * *

يتبع
 

مستبشرة

مشرفة
طاقم الإدارة
الاشراف
عضوية ماسية
عضو
إنضم
22 يونيو 2013
المشاركات
9,537
مستوى التفاعل
22,736
النقاط
122
الإقامة
ارض الله
الموقع الالكتروني
www.almobshrat.net
- مكانة السيدة خديجة وتبشيرها بالجنة :
قانون الثواب والعقاب في شريعتنا الغراء والحنيفية السمحة يقوم على ما يقوله الإنسان , وما يعمله , فيجازيه الله سبحانه وتعالى على قدر عمله , إن خير فخير , وإن شر فشر  لَا تَظْلِمُونَ و لَا تُظْلَمُونَ
فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَاَلَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّاً يَرَهُ  ,  يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَايُظْلَمُونَ  , وكلما زاد الإنسان في عمل الخير , وأخلص لله زاد الله في الثواب والأجر , وأعلى المكانة , ورفع المنزلة  إِنَّ اْللَّهَ مَعَ اْلَّذِينَ اْتَّقَواْ وَّاْلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ   وَيَزِيدُ اْللَّهُ اْلَّذِينَ اْهْتَدَوْاْ هُدًى وَاْلبَقِيَتُ اْلصَّلِحَتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا  ,  إِنَّ اْلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ اْلصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتُ اْلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ۝ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ۝ قُل لَّو كَانَ اْلْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَتِ رَبّي لَنَفِدَ اْلْبَحْرُ قَبْلَ أََن تَنفَدَ كَلِمَتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ۝ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا
تلك هي سنة الله  وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اْللَّهِ تَبْدِيلًا  .
لقد قدمت خديجة رضي الله عنها في حياتها كل خير وفضل , جبلت رضي الله عنها على حبها لله , وفعلها الخير من أجله , وقدمت المساعدة لكل من عرفت , وعلمت حاجته وضيقه , سواء في الجاهلية أو في الإسلام , لم يتسرب الشر إليها رضي الله عنها , ولم تفكر فيه , وإنما عاشت للخير ومن أجل الخير , كانت ملاكاً في ثوب إنسان , عالية الهامة , شامخة في غير كبر , محلّ احترام من الجميع رضي الله عنها وأرضاها .
وخديجة رضي الله عنها أول خلق الله أسلم بإجماع المسلمين , وهذا مقام عظيم تنفرد به أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها , قالوا : خديجة بنت خويلد أم المؤمنين , زوج النبي  , أول امرأة تزوجها ,


وأول خلق الله أسلم بإجماع المسلمين , لم يتقدمها رجل ولا امرأة , ومعنى هذا أنها تنفرد بمقام لا يشاركها فيه أحد , رجلاً كان أو امرأة , ومعناه أن على كل رجل , وعلى كل امرأة في هذه الأمة , إلى أن تقوم الساعة , أن يوقرها , ويعرف لها فضلها وسبقها , وأن فرق ما بين إيمان خديجة وإيمان فرد منا كفرق ما بين السماء والأرض .
جاءها  يقصّ عليها , ما كان من بدء الوحي إليه فكانت له قرة عين , ومودة وإيماناً فوق ذلك , فخديجة رضي الله عنها لحظة إيمانها برسول الله  كمثل من فاجأته ريح عاصف قاصف , وهو في وسط البحر , فإن لم يستجمع قواه كلها , ابتلعه البحر وأغرقه , كذلك كانت وهي تستمع إليه  , كانت رضي الله عنها قوة قاهرة , قهرت ظلمات الكفر والشرك , والضلال , وخرجت من تلك الظلمات كلها إلى النور , فآمنت به , وبما رأى .
ومعنى أنها كانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة أي أن هناك إجماعاً من قومها على فضائلها , وحسن أخلاقها .
وعن أبي هريرة  قال : " أتى جبريل النبي  فقال : يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك ومعها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب , فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب , لا صخب فيه ولا نصب " , أما القصب فهو اللؤلؤ المجوف , وإيراده هنا لأنها نالت قصب السبق في الإسلام دون غيرها من النساء , والبيت لا صخب فيه , أي ليس فيه أصوات عالية وضوضاء , لأنها وفرت لرسول الله  الهدوء في بيتها , ولم تجعله يرفع صوته , وتابعته في الإسلام دون أي معارضة , أما النصب فهو التعب , وهو تعويض عما قاسته من تعب , بعد أن ربت أبناء النبي  وتكفلت أعمال بيته , وشاركته في الدعوة , وتحملت معه كل الضغوط والآلام .
فخديجة رضي الله عنها كما جعلت بيتها في الدنيا جنة لا صخب فيها ولا نصب , فإن الجزاء من جنس العمل , جعل الله تعالى بيتها في الجنة لا صخب فيه ولا نصب , فهي رضي الله عنها خمسة وعشرين سنة جعلت فيه بيتها جنة وارفة الظلال .

فلا ضجيج ولا صخب , ولا نصب يصيب رسول الله  في بيتها رضي الله عنها , وإنما هي تحمل عنه متاعب الحياة الزوجية وهمومها , فما أعظم ذلك الدور الذي قامت به خديجة رضي الله عنها في حياة رسول الله  , فهي تعمل دائماً ليكون أسعد زوج , فلما أكرمه الله بالنبوة , كانت أشد حرصاً عن ذي قبل على تحقيق الجو الملائم لتلك المرحلة الخطيرة , فزادت من حفاوتها برسول الله  , وزادت من السكينة اللازمة لتنزيل الوحي , ولقاء الملائكة , فأعطاها الله بدلاً من بيتها في الدنيا بيتاً في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب , وأثابها بدلاً من الخمس والعشرين سنة نعيماً أبدياً , وبدلاً من بيتها الذي من الطين والحجارة بيتاً من قصب من لؤلؤ مجوف , وبدلاً من السكون والسكينة في بيتها الدنيوي بيتاً لا صخب فيه ولا نصب .
ومما اختصت به خديجة رضي الله عنها سبقها نساء هذه الأمة إلى الإيمان , فسنت ذلك لكل من آمن بعدها , فيكون لها مثل أجرهن , لما ثبت أن من سن سنة حسنة , وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق بالنسبة للرجال , ولا يعرف قدر ما لكل منهما من الثواب بسبب ذلك إلا الله عز وجل .
وقال  : " خير نسائها مريم بنت عمران , وخير نسائها خديجة " وأشار وكيع إلى السماء والأرض , قال النووي : أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في نسائها , وأن المراد به جميع نساء الأرض أي كل من بين السماء والأرض من النساء , والأظهر أن معناه أن كل واحد منهما خير نساء الأرض في عصرها .
وعن ابن عباس قال : " خط رسول الله  في الأرض أربع خطوط , قال : أتدرون ما هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم , فقال رسول الله  : أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد , وفاطمة بنت محمد , ومريم بنت عمران , وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون " .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : " ما غرت من امرأة لرسول الله  ما غرت من خديجة لما كانت أسمع من ذكره لها , وما تزوجني إلا بعد موتها بثلاث سنين , ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب , لا صخب فيه ولا نصب " .


وهكذا كانت مكانة السيدة خديجة رضي الله عنها حيث أنها أصبحت بفضل كل ما عملته من خير في سبيل الله أن أصبحت خير نساء أهل الجنة , وبشرت بتلك البشارة الإلهية , وأوتي إليها السلام من ربها ومن جبريل عليه السلام , حيث قالت رضي الله عنها للرسول  عندما أخبرها أن جبريل عليه السلام يقرأها السلام من الله تعالى ومنه , قالت خديجة : " الله السلام , ومنه السلام , وعلى جبريل السلام "
وهذا من وفور فقهها رضي الله عنها حيث جعلت مكان رد السلام على الله الثناء عليه , ثم غايرت بين ما يليق به وما يليق بغيره , وقيل أيضاً هو رد على البديهة يدل على ما حباها الله به من ذكاء وفطنة , وما وهبها من لباقة ألهمتها أن تعظم الله في ردها بما هو أهله , وأن تسأله السلام والأمان , وأن تشكر جبريل عليه السلام لتبليغها ما أفاء الله عليها من نعمة وفضل .
وأخيراً لا يجدر بي إلا أن أقول :
السلام عليك يا أم المؤمنين ...
السلام عليك يا من سلم عليك رب العالمين ...
السلام عليك يا من سلم عليك جبريل الأمين ...
السلام عليك ورحمة الله وبركاته ...

* *
 

مستبشرة

مشرفة
طاقم الإدارة
الاشراف
عضوية ماسية
عضو
إنضم
22 يونيو 2013
المشاركات
9,537
مستوى التفاعل
22,736
النقاط
122
الإقامة
ارض الله
الموقع الالكتروني
www.almobshrat.net

2- مساندة السيدة خديجة رضي الله عنها للدعوة :


كم تمنت السيدة خديجة رضي الله عنها أن يرى الناس دعوة رسول الله  بالمنظار الذي تراها به , تلك الدعوة الإلهية التي تفرد الله سبحانه وتعالى بالربوبية , فهو وحده المتصرف في الكون لا شريك له , فلا اللات ولا العزى , ولا مناة ولا هبل بشركاء لله , لا من قريب ولا من بعيد , ولا هم يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً .
كانت رضي الله عنها تريد أن يعم هذا الفيض قريشاً فتراهم يلتفون حول رب واحد , ورسول واحد , ومبدأ يسعدون به في الدنيا والآخرة .
لقد كانت أعظم متحمسة لهذا الدين , وكانت رضي الله عنها أول المستجيبين للنداء , وإنها تقوم بكل ما تملك , وما تستطيع تقديمه لله وللرسول , وإن لها حدودا لا تتعداها , وهي البصيرة بأحوال القوم , وبتعصبهم فتخاف إن هي توسعت في الدعوة , وغشيت بيوت الأعمام والعمات والأخوال والخالات , الممثلين في الأصول والفروع من قومها من قريش , فقد تسمع ما تكره , وقد يؤذي ما يقال سمع النبي  . فقامت رضي الله عنها بدعوة الأدنين من أهلها إلى الدخول في هذه الدعوة , فلم يستجب لها إلا القليل , وهاهي تعيد الدعوة على حكيم بن حزام ابن أخيها الذي ما كان ليعصي لها أمرا , ولا يخالف لها رأيا , وتذكر له أسماء الذين اهتدوا إلى الطريق المستقيم , وفي مقدمتهم أصدقاؤه أبو بكر وعثمان والزبير بن العوام ابن عمته رضوان الله عنهم جميعاً , ولكنه خالفها , ولم يطع لها في ذلك أمرا .
لقد قررت رضي الله عنها أن توجه كل اهتمامها بصاحب الدعوة  , وأن تزيد من شد أزره , وتقوي من عزمه , وتساعده على تحمل الشدائد والأهوال , وأن تذكره بحب الله له , وعونه إياه , وأن تبين له أن الطريق الذي يراه صعباً الآن سيذلل فيصير سهلا , واضح العلامات إن شاء الله .
وعندما جاء الأمر الإلهي بالجهر بالدعوة فقال تعالى :  فَاْصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ اْلْمُشْرِكِينَ


أعلن الدعوة عامة للناس , وابتدأ عداء المشركين للرسول  والمسلمين مستخدمين أقسى أساليب الضغط عليهم من تعذيب ومقاطعة وحرب نفسية وغير ذلك , فكانت السيدة خديجة رضي الله عنها في قلب تلك المعاناة , وكلما عاد النبي  حزيناً مهموماً مما كان يسمعه من المشركين من تكذيب وتجريح واستهزاء فيكتم ذلك في نفسه  لما يكنه لهم من حب عميق , يرجوا أن يهديهم الله تعالى إلى الإسلام لينالوا خير الدنيا والآخرة , يجد السيدة خديجة رضي الله عنها تواسيه , وتخفف عنه ما ألم به فكان : " لا يسمع شيئا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك , إلا فرج الله عنه بخديجة إذا رجع إليها , وتخفف عنه , وتصدقه , وتهون عليه أمر الناس " , ولو كان بيدها رضي الله عنها أكثر من ذلك لبذلته لكن كان هذا أقصى ما استطاعت بذله في هذه المرحلة , فقد كانت الصدر الحنون الذي يفضي إليه رسول الله  همومه وأحزانه , فيعود إليه الفرح والسرور بعد أن يسمع كلمات الإيمان واليقين من امرأة مثلت دور الزوجة والعائلة لرسول الله  , في مرحلة كان هو بأمس الحاجة لأن يجد من يسانده فيها .
وبعد الضغط الذي تعرض له المسلمين في مكة أوعز لهم رسول الله  بالهجرة إلى الحبشة , فاستقروا فيها ونالوا مأمنهم عند النجاشي ملكها , وفشلت محاولات المشركين في ردهم , فاتخذوا خطوة جديدة لمواجهة الرسول  بعد أن عرفوا أن أبا طالب لا يسلمه لهم , وهي مقاطعة بني هاشم جميعهم مسلمهم وكافرهم , فلا يبيعونهم ولا يبتاعون منهم , ولا يتعاملون معهم أي تعامل حتى يسلموا رسول الله  ليقتلوه .
وهنا كانت المرحلة الأخيرة للسيدة خديجة رضي الله عنها مع الرسول  حيث دخلت مع زوجها وبني هاشم في شعب أبي طالب , متحملة معه الحصار الذي فرضه المشركين عليهم , فبرز في هذا الحصار دوران متلازمان متداخلان , دور أبي طالب المدافع عن رسول الله  وحاميه وسنده , ودور السيدة خديجة رضي الله عنها التي رضيت أن تحبس نفسها داخل هذا الحصار المضروب على بني هاشم ,



وتخفف من نائبته , ولا تبالي على ثروتها النضوب , إنها تحاول كسر الحصار ما أمكن , أو شلّ أثره , وتؤلب ولا تفتأ ذويها لإمداد المحاصرين سراً .
فبذلك كانت السيدة خديجة رضي الله عنها قد ساندت الرسول  بنفسها , ووضعت أموالها في خدمة المسلمين , وظاهرته بعشيرتها , أما مساندة الدعوة بنفسها فقد تركت رضي الله عنها الغنى والترف والجاه وارتضت الفقر والحرمان والنبذ والمقاطعة , وتركت مكانتها في أسرتها ودخلت مع بني هاشم في شعبهم , ولم تكن هذه الأشياء تهمها لقد ذابت وانصهرت بحب الله ورسوله , فأي مكانة وأي عز وجاه يمكن أن يوازي عندها طاعة الله ورسوله , لقد كانت تستعذب العذاب مع زوجها الذي أحبته رجلاً قبل أن يكون نبياً , فكيف الحال وقد أصبح نبياً ورسولاً .
أما أسرتها رضي الله عنها فلم تكن بعيدة عما تعانيه , فقد كان لمكانتها الاجتماعية فيها دور كبير في التأثير في أبناء عمومتها , وأقربائها من أجل تخفيف المقاطعة على بني هاشم بالرغم من بقائهم على الشرك , ففي رواية أن حكيم بن حزام بن خويلد أدخل المساعدات إلى بني هاشم , فلقيه أبو جهل وهو يحاول إدخال ناقة محملة بالقمح إلى الشعب , فمنعه لكن أبا البختري بن هشام بن أبي الحارث أفشل محاولة أبي جهل , وفي رواية أخرى أن السيدة خديجة رضي الله عنها أرسلت إلى ابن عمها زمعة بن الأسود تشكو أبا جهل , لأنه كان يمنعها من شراء ما تحتاج إليه من طعام فزجره زمعة , وكان أبو البختري ممن يدخلون الطعام على بني هاشم , واستمرت هذه العائلة ترسل الطعام إليها طيلة الحصار .
وحتى كسر المقاطعة كان لعائلتها دور فيها فبعد أن مضى عليها ثلاث سنين , قامت حركة مضادة لها قادها خمسة رجال ممن ولدتهم نساء من بني هاشم , اثنان منهم من أبناء عمومة السيدة خديجة رضي الله عنها , وهما أبو البختري بن هشام , وزمعة بن الأسود , وتزامنت هذه الحركة مع مجيء الوحي لرسول الله  يعلمه أن الله تعالى سلط حشرة الأرضة على الصحيفة فأكلتها إلا اسم الله تعالى .
 

مستبشرة

مشرفة
طاقم الإدارة
الاشراف
عضوية ماسية
عضو
إنضم
22 يونيو 2013
المشاركات
9,537
مستوى التفاعل
22,736
النقاط
122
الإقامة
ارض الله
الموقع الالكتروني
www.almobshrat.net
الخاتمة :

لقد بلغ المحاصرون في المقاطعة التي كانت على بني هاشم من الجهد الشديد حتى كانوا يسمع أصوات صبيانهم يتضاغنون من وراء الشعب من الجوع , وحتى أكلوا أوراق الأشجار , وظلوا على تلك الحال ثلاث سنوات , وخديجة رضي الله عنها معهم صابرة محتسبة على ما تلاقيه في جنب الله , لا تظهر ضجراً ولا تبدي جزعاً حتى ألم بها المرض , وأنهك منها القوى , حتى أفسد الله عز وجل صحيفة المكر والظلم , فانفرج الحصار , وعاد النبي  إلى بيته , وعادت معه زوجته الحبيبة , عادت وقد بذلت له كل ما تستطيعه امرأة لزوجها , بينما كانت قد بلغت من العمر الخامسة والستين .
ولم تلبث رضي الله عنها أن نزل بها مرض الموت بعد انهيار الحصار بستة أشهر , وكان النبي  إلى جوارها في مرض موتها , وقد بلغ به الحزن مبلغه , حتى فاضت روحها الطاهرة , وعادت إلى بارئها الذي أعد لها من الثواب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .
وكانت وفاتها رضي الله عنها في رمضان في السنة العاشرة من النبوة , وقبل الهجرة بثلاث سنوات , وهي يومئذ بنت خمس وستين سنة , ودفنت بالحجون , ونزل رسول الله  حفرتها , ولم تكن يومئذ سنة الجنازة الصلاة عليها , وقد وجد النبي  عليها وجداً عظيماً حتى أشفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً .

لقد رحلت خديجة رضي الله عنها بعد أن بذرت في قلب زوجها رسول الله  بذرة حب خالص , طالما تعاهدتها بجميل الأفعال , وغذتها بعظيم الخصال , حتى استحالت شجرة حب وارفة الظلال , زاهية الأزهار , لم يزل رسول الله  يتنسم أريجها الفواح بنادر الوفاء وجميل الذكر .
فلم يكن رسول الله  يمل ذكرها , أو يشبع من حديثه عنها , وعن حسن فعالها .


وبذلك رحلت السيدة خديجة رضي الله عنها بعد أن ثابرت في مسيرتها الصادقة بمؤازرتها الرسول  , حتى بلغ منها الجهد والصبر حداً مضنياً , كان آخره ما واكبت فيه الرسول  وبني هاشم في محنة المقاطعة , وعزلهم في الشعب , وكان أشد ما عاناه الرسول صلى الله عليه وسلم  من هموم وأحزان بسبب ما أصيب به من فقد السيدة خديجة رضي الله عنها وأبي طالب , فحرم  الحياة الهانئة , والحماية من تحديات السفهاء , وغابت بشاشة الحياة وبهجتها بوفاة السيدة خديجة أم أولاده .
لقد رحلت من تركت للفضائل حياة لا تفنى , ورحلت عن هذا العالم إلى العالم العلوي من هذا المحيط الصغير إلى مقرها الأقدس , عند المحيط الأعظم حيث تجد ما وعدها ربها حقاً , لتنال مكافأتها على ما قدمت , لكن هل ماتت خديجة حقاً ؟ , كلا , إنها لماثلة بين عيني زوجها الرسول  , فما يسير إلا وبطيف منها يتبعه , وما يسري إلا وسنا مشرق منها يبدد من حوله حالك الظلمات , وستدخل بعدها في حياة محمد  نساء ذوات عدد , لكن مكانها في قلبه وفي دنياه سيظل أبداً خالصاً لهذه الزوجة الأولى , والحبيبة الغالية التي انفردت في بيت زوجها ربع قرن من الزمان , لم تشاركها فيه أخرى , ولا لاح في أفقه ظل شريكة سواها .
وفي الختام أتمنى بأن نتأسى جميعاً بخلق هذه السيدة الطاهرة ذات الخلق النبيل , وذات التضحية الغالية في سبيل الله عز وجل , ولنا فيها رضي الله عنها القدوة والمثل الأعلى , فقد رأينا ما قامت به في بيتها المبارك , وفي سبيل الدعوة والإسلام .

فرضي الله
عن أم المؤمنين خديجة وأرضاها , آمين .
 

مستبشرة

مشرفة
طاقم الإدارة
الاشراف
عضوية ماسية
عضو
إنضم
22 يونيو 2013
المشاركات
9,537
مستوى التفاعل
22,736
النقاط
122
الإقامة
ارض الله
الموقع الالكتروني
www.almobshrat.net
السيدة سودة رضي الله عنها

كان رحيل السيدة خديجة رضي الله عنها مثير أحزان كبرى في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصَّة أن رحيلها تزامن مع رحيل عمِّه أبي طالب -كما سبق أن أشرنا- حتى سُمِّي هذا العام بعام الحزن.

وفي هذا الجو المعتم حيث الحزن والوَحدة، وافتقاد مَنْ يرعى شئون البيت والأولاد، أشفق عليه أصحابه رضوان الله عليهم، فبعثوا إليه خولة بنت حكيم السلمية -رضي الله عنها- امرأة عثمان بن مظعون صلى الله عليه وسلم تحثُّه على الزواج من جديد.

وهنا جاءته خولة رضي الله عنها، فقالت: يا رسول الله، ألا تتزوَّج؟

فقال: "ومَنْ؟"

قالت: إنْ شئتَ بكرًا، وإنْ شئتَ ثيِّبًا.

فقال: "ومَنِ الْبِكْرُ وَمَنِ الثَّيِّبُ؟"

قالت: أمَّا البكر فابنة أحبِّ خلق الله إليك، عائشة رضي الله عنها، وأما الثيِّب فسودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك.

قال: "فَاذْكُرِيهِمَا عَلَيَّ".

فانطلقت السيدة خولة -رضي الله عنها- إلى السيدة سودة، فقالت: ما أدخل الله عليك من الخير والبركة!

قالت: وما ذاك؟

قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطبك إليه.

قالت: وَدِدْتُ، ادخلي إلى أبي فاذكري ذلك له. وكان شيخًا كبيرًا قد أدركه السنُّ قد تخلَّف عن الحجِّ، فدخلت عليه، فحيَّته بتحية الجاهليَّة، فقال: مَنْ هذه؟

قالت: خولة بنت حكيم.

قال: فما شأنك؟

قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة.

فقال: كفء كريم، ما تقول صاحبتك؟

قالت: تحبُّ ذلك.

قال: ادعيها إليَّ. فدعتها.

قال: أيْ بُنَيَّة، إنَّ هذه تزعم أنَّ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبكِ، وهو كفء كريم، أتحبِّين أنْ أزوِّجَكِ به؟

قالت: نعم.

قال: ادعيه لي.

فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوَّجها إيَّاه.

فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحجِّ، فجاء يحثي على رأسه التراب. فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة[1].

وهي بعدُ: أمُّ المؤمنين سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس، وأمها الشموس بنت قيس بن عمرو، بنت أخي سلمى بنت عمرو بن زيد أمِّ عبد المطلب، تزوَّجها قبل رسول الله
ابن عمٍّ لها هو: السكران بن عمرو بن عبد شمس، أخو سهل وسهيل وسليط وحاطب، ولكلهم صحبة، وهاجر بها السكران إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، ثم رجع بها إلى مكة فمات عنها[2].

فأمست السيدة سودة -رضي الله عنها- بين أهل زوجها المشركين وحيدة لا عائل لها ولا معين؛ حيث أبوها ما زال على كفره وضلاله، ولم يزل أخوها عبد الله بن زمعة على دين آبائه، وهذا هو حالها قبل زواج الرسول
منها.

وتعدُّ السيدة سودة أوَّل امرأة تزوَّجها الرسول
بعد خديجة، وكانت قد بلغت من العمر حينئذٍ الخامسة والخمسين، بينما كان رسول الله
في الخمسين من عمره، ولما سمع الناس في مكة بأمر هذا الزواج عجبوا؛ لأن السيدة سودة لم تكن بذات جمال ولا حسب، ولا مطمع فيها للرجال، وقد أيقنوا أنه إنما ضمَّها رفقًا بحالها، وشفقة عليها، وحفظًا لإسلامها، وجبرًا لخاطرها بعد وفاة زوجها إثر عودتهما من الحبشة، وكأنهم علموا أنه زواج تمَّ لأسباب إنسانيَّة.


وتُطالعنا سيرة السيدة سودة -رضي الله عنها- بأنها قد جمعت ملامح عظيمة وخصالاً طيبة، كان منها أنها كانت معطاءة تُكْثِر من الصدقة، حتى إنَّ عمر بن الخطاب
بعث إليها بغِرارة[3] من دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم. قالت: في غرارة مثل التمر؟ ففرَّقتها بين المساكين.

وقد وَهَبَتْ رضي الله عنها يومها لعائشة؛ ففي صحيح مسلم أنها: "لَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ
لِعَائِشَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ
يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ: يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ"[4].

وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: "مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلاَخِهَا[5] مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ[6]"[7].

وقد ضمَّتْ إلى تلك الصفات لطافةً في المعشر، ودعابةً في الرُّوح؛ مما جعلها تنجح في إذكاء السعادة والبهجة في قلب النبي
، فقد روى ابن سعد في طبقاته عن إبراهيم، قال: قالت سودة لرسول الله
: صليت خلفك البارحة فركعت بي حتى أمسكتُ بأنفي مخافة أن يقطر الدم. قال: فضحك. وكانت تُضحكه الأحيان بالشيء
[8].

وفاتها:

توفيت أم المؤمنين سودة بنت زمعة -رضي الله عنها- في آخر زمان عمر بن الخطاب، ويقال: ماتت -رضي الله عنها- سنة 54هـ. [9].



[1]ابن كثير: السيرة النبوية 2/142-143.
[2]ابن سيد الناس: عيون الأثر 2/381.
[3]الغِرارة: وعاء تُوضع فيه الأطعمة، انظر: ابن منظور: لسان العرب، 5/11، والمعجم الوسيط ص 648.
[4]البخاري: كتاب النكاح، باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها وكيف يقسم ذلك (4914)، ومسلم واللفظ له: كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها (1463).
[5]المِسلاخ: الجلد، ومعناه: أن أكون أنا هي. شرح النووي على مسلم 5/ 198.
[6]لم تُرِد عائشة -رضي الله عنها- عيب سودة بذلك، بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة وهي الحدة. انظر: شرح النووي على مسلم 5/ 198.
[7]مسلم: كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها (1463).
[8]الطبقات الكبرى 8/54.
[9] ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 7/721.مقدمة
 
<